اكتشف فريق دولي من خبراء أعماق المحيط، على متن سفينة الأبحاث "فالكور" التابعة لمعهد شميدت للمحيطات، أكثر من عشرين نوعًا بحريًا جديدًا خلال رحلة استكشافية حديثة قبالة سواحل البرازيل في جنوب المحيط الأطلسي الاستوائي. استخدم العلماء تقنيات متطورة لاستكشاف أعماق المحيط - المياه الواقعة بين الطبقة المعرضة لأشعة الشمس وقاع البحر - والتي تُعد أكبر نظام بيئي صالح للسكن على وجه الأرض وأقلها استكشافًا. قد يستغرق الأمر عقودًا من الزمن لتحديد ووصف أنواع جديدة، لكن الجمع بين التكنولوجيا والخبرة مكّن الفريق من تأكيد حداثة هذه الأنواع في غضون أيام معدودة.
تتكون القائمة من نوع من القشريات يشبه البرمائيات، وهو نوع من القشريات يرتبط بالسرطانات وجراد البحر؛ ودودة رقيقة تتحرك أسرع مما يتوقعه العلماء بناءً على شكل جسمها؛ وتسعة قناديل بحر؛ وسبعة سيفونوفورات، وهي كائنات مستعمرة ترتبط بقناديل البحر والشعاب المرجانية؛ وسبعة قناديل مشطية أو كتينوفورات، تشتهر بالأهداب اللامعة التي تستخدمها للسباحة؛ وأربعة يرقات، وهي مخلوقات تشبه الشرغوف تعيش في بيوت مخاطية وترتبط بالبشر أكثر من اللافقاريات؛ واثنين من الريزاريين العملاقين، وهما كائنات وحيدة الخلية يمكن رؤيتها بالعين المجردة.
وقال أوزبورن إن الفريق شهد تنوعاً ووفرة أكبر بكثير في الكائنات الحية في المياه المتوسطة مما كانوا يتوقعون، بما في ذلك الحبار الزجاجي والأخطبوط السطحي الذي يتغذى على قنديل البحر الأحمر الزاهي.
تُعدّ المياه المتوسطة في المحيط من أكثر المناطق صعوبةً للاستكشاف على وجه الأرض نظرًا لصعوبة الوصول إليها وضخامة حجمها. وقد موّل برنامج منح أبحاث "أوشن شوت" التابع لمؤسسة ساساكاوا للسلام برنامجين لدراسة المياه المتوسطة، مما أتاح إنجاز هذا العمل، أحدهما في جامعة غرب أستراليا والآخر في مختبر بيجلو لعلوم المحيطات بالولايات المتحدة الأمريكية.
كانت التقنيات المستخدمة لتحديد الأنواع الجديدة مزيجًا من أنظمة التصوير والتحليلات الجينية.
تضمنت أنظمة التصوير جهازي DeepPIV (قياس سرعة الجسيمات التصويرية) وEyeRIS (نظام التصوير عن بُعد)، اللذين طوّرهما مختبر الإلهام الحيوي في معهد أبحاث الأحياء المائية في خليج مونتيري (MBARI)، وتم تركيبهما على المركبة الآلية المُسيّرة عن بُعد (ROV) "سوباستيان" التابعة لمعهد شميدت للمحيطات. يُعدّ كلٌّ من DeepPIV وEyeRIS أداتين متطورتين وغير جراحيتين لمسح الحيوانات البحرية؛ إذ تستخدمان أشعة الليزر لمسح الكائنات الحية وإنشاء صور ثلاثية الأبعاد لها. إضافةً إلى ذلك، قام الفريق بتركيب كاميرا تصوير الظلال من الوكالة اليابانية لعلوم وتكنولوجيا البحار والأرض (JAMSTEC) على المركبة الآلية، والتي تُتيح تصوير أدقّ تفاصيل الحيوانات التي لا تظهر في عمليات المسح ثلاثية الأبعاد. تُساعد هذه الصور العلماء على وصف شكل الحيوانات وبنيتها الداخلية دون الحاجة إلى جمعها.
تتميز العديد من حيوانات المياه المتوسطة بقوامها الهلامي، وأجسامها الرخوة والهشة التي غالبًا ما تتلف بفعل طرق أخذ العينات التقليدية. ولمعالجة هذا التحدي، استخدمت البعثة تقنيات إضافية مكّنت العلماء من مراقبة الحيوانات في بيئة مضبوطة تحاكي موطنها الطبيعي. وشملت هذه التقنيات غرفة الواقع الافتراضي التي طُوّرت في جامعة غرب أستراليا، و"جهاز الجاذبية" الذي طُوّر في جامعة ستانفورد، وهو عبارة عن مجهر متخصص يعمل كجهاز مشي هيدروديناميكي لدراسة الميكروبات.
استخدم الفريق مجهرًا آخر طُوِّر في جامعة ستانفورد للحصول على رؤى جديدة بالغة الأهمية حول فسيولوجيا حيوانات المياه المتوسطة. يُعرف هذا المجهر باسم "سكوييد" (Squid)، وهو مجهر متحد البؤر مفتوح المصدر. وباستخدام "سكوييد"، حقق الفريق إنجازًا غير مسبوق في أبحاث البحار، حيث صوّر التراكيب الخلوية الداخلية الحية بتقنية ثلاثية الأبعاد. وكان من بين الكائنات التي صُوِّرت كائنات دقيقة كبيرة وحيدة الخلية تُسمى الطلائعيات. وقد مكّن المجهر العلماء من مراقبة كيفية تفاعل التركيب الخلوي للطلائعيات مع هيكلها الزجاجي.
بالتزامن مع الصور عالية الدقة، قام الفريق بتسلسل الجينومات من العينات التي تم جمعها على متن السفينة، مما مكنهم من تحديد الأنواع الجديدة بسرعة تحت قيادة الدكتورة شيريل أميس من جامعة توهوكو والدكتور جون بيرنز من مختبر بيجلو.